الملا فتح الله الكاشاني
30
زبدة التفاسير
فقالوا : أرسل إلينا أبا لبابة . وكان مناصحا لهم ، لأنّ عياله وماله وولده كانت عندهم . فبعثه رسول اللَّه ، فأتاهم . فقالوا : ما ترى يا أبا لبابة أننزل على حكم سعد بن معاذ ؟ فأشار أبو لبابة إلى حلقه أنّه الذبح فلا تفعلوا . فأتاه جبرئيل عليه السّلام فأخبره بذلك . قال أبو لبابة : فواللَّه ما زالت قدماي من مكانهما حتّى عرفت أنّي قد خنت اللَّه ورسوله . فنزلت في شأنه : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّه والرَّسُولَ ) * من الخون ، وهو النقص ، كما أنّ أصل الوفاء التمام . ومنه : تخوّنه ، أي : تنقّصه ، ثمّ استعمل في ضدّ الأمانة والوفاء ، لأنّك إذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت عليه النقصان فيه . والمعنى : لا تخونوا اللَّه بترك أوامره ، والرسول بترك سننه وشرائعه . وعن الحسن : أنّ من ترك شيئا من الدين وضيّعه فقد خان اللَّه ورسوله . * ( وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ ) * ولا تخونوا الأمانات فيما بينكم ، بأن لا تحفظوها . وهو مجزوم بالعطف على الأوّل ، أو منصوب على الجواب بالواو . * ( وأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) * أنّكم تخونون . أو أنتم علماء تميّزون الحسن من القبيح . أو أنتم تعلمون ما في الخيانة من الذمّ والعقاب . ولمّا نزلت هذه الآية شدّ أبو لبابة نفسه على سارية من سواري المسجد ، وقال : واللَّه لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب اللَّه عليّ ، فمكث سبعة أيّام لا يذوق فيها طعاما ولا شرابا ، حتّى خرّ مغشيّا عليه ، ثمّ تاب اللَّه عليه . فقيل له : يا أبا لبابة قد تيب عليك . فقال : لا واللَّه لا أحلّ نفسي حتّى يكون رسول اللَّه هو الَّذي يحلَّني ، فحلَّه بيده . ثمّ قال أبو لبابة : إنّ من تمام توبتي أن أهجر دار قومي الَّتي أصبت فيها